مرتضى الزبيدي
127
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
فهذا تعبير عن لسان الحال بلسان المقال ، ومن هذا قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] . فالبليد يفتقر في فهمه إلى أن يقدر لهما حياة وعقلا وفهما للخطاب وخطابا هو صوت وحرف تسمعه السماء والأرض فتجيبان بحرف وصوت وتقولان : أَتَيْنا طائِعِينَ والبصير يعلم أن ذلك لسان الحال وأنه انباء عن كونهما مسخرتين بالضرورة ومضطرتين إلى التسخير ، ومن هذا قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] . فالبليد يفتقر فيه إلى أن يقدر للجمادات حياة وعقلا ونطقا بصوت وحرف حتى يقول : « سبحان اللّه » ليتحقق تسبيحه . والبصير يعلم أنه ما أريد به نطق اللسان بل كونه مسبحا بوجوده ومقدسا بذاته وشاهدا بوحدانية اللّه سبحانه ، كما يقال : وفي كل شيء له آية * تدل على أنه الواحد وكما يقال هذه الصنعة المحكمة تشهد لصانعها بحسن التدبير وكمال العلم لا بمعنى شقه إذا أوقعه في المشقة ؟ ( قال : سل من يدقني فلم يتركني وراء ) فعل أمر من رآى يرائي أي انظر ( الحجر الذي ورائي ، فهذا ) وأمثاله ( تعبير عن لسان الحال بلسان المقال ، ومن هذا قوله تعالى : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) [ فصلت : 11 ] الإتيان هو المجىء مطلقا . وقيل : بسهولة . والطوع الانقياد ويضاده الكره ، وطائعين أي منقادين أي لم يمتنعا عليه مما يريدهما به ، ( فالبليد ) الذهن ( يفتقر في فهمه ) لهذه الآية ( إلى أن يقدر لهما حياة مخلوقة ) وفي بعض النسخ بزيادة الأرض والسماء بدون لهما ( وعقلا وفهما للخطاب ويقدر خطابا من صوت وحرف ) بحيث ( تسمعه الأرض والسماء فتجيب بحرف وصوت وتقول : « أتينا طائعين » ، والبصير ) العارف ( يعلم أن ذلك لسان الحال ، وأنه انباء ) أي اخبار ( عن كونها مسخرة بالضرورة ومضطرة إلى التسخير ) ، والانقياد والتسخير سياقة الشيء إلى الغرض المختص به . ( ومن هذا ) أيضا ( قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) [ الإسراء : 44 ] وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] ( فالبليد يفتقر فيه إلى أن يقدر للجمادات حياة وعقلا ونطقا بصوت وحرف حتى يقولوا : سبحان اللّه ) وبحمده ( ليتحقق تسبيحه ، والبصير يعلم أنه ما أريد به نطق اللسان ) بحرف وصوت ، ( بل ) أريد به ( كونه مسبحا بوجوده ومقدسا بذاته وشاهدا بوحدانية اللّه تعالى كما يقال ) وهو قول أبي العتاهية وأوّله : وا عجبا كيف يعصى الإله * أم كيف يجحده الجاحد ( وفي كل شيء له آية ) أي علامة دالة ( تدل على أنه واحد ) لا شريك له . ( وكما يقال هذه الصنعة المحكمة ) المتقنة ( تشهد لصاحبها بحسن التدبير ) وإصابة